اتصل بنا
Banner
عام

برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد.. معالي نهيان بن مبارك يفتتح أعمال الملتقى الدولي الثامن لمنتدى تعزيز السلم في إكسبو 2020

الإثنين 06/12/2021

تحت رعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي.. افتتح معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح والتعايش اليوم أعمال الملتقى الدولي الثامن لمنتدى تعزيز السلم الذي يعقد بعنوان "المواطنة الشاملة من الوجود المشترك إلى الوجدان المتشارك" في إكسبو2020دبي ويستمر إلى 7 ديسمبر الجاري.

حضر الافتتاح معالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي المدير العام لمكتب إكسبو 2020 دبي ومعالي الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ومعالي الشيخ نور الحق قادري الوزير الاتحادي للشؤون الدينية والوئام بين الأديان في جمهورية باكستان ومعالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للافتاء الشرعي رئيس منتدى تعزيز السلم و معالي الدكتور مغير خميس الخييلي رئيس دائرة تنمية المجتمع بأبوظبي.

وتستمر أعمال الملتقى ثلاثة أيام برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه وبمشاركة وزراء وممثلي الحكومات وقادة دينيين من مختلف الأديان والمذاهب وشخصيات رفيعة المستوى ومئات المفكرين والأكاديميين والباحثين والشباب حول العالم.

وأعرب معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في كلمته الافتتاحية عن سعادته في المشاركة بالملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم، الذي تعقد فعالياته في ظل الرعاية الكريمة لسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي الذي يحرص دائماً من خلال جهود سموه المتواصلة على تنمية علاقات التسامح والتعايش والصداقة مع جميع دول العالم وتأكيده دائماً على الالتزام المخلص بدعم قضايا الخير والحق والسلام في كل مكان.

ورحب معاليه بجميع الحضور على أرض الإمارات .. مؤكدا أنه في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله" وبفضل الجهود الناجحة والمتواصلة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي" رعاه الله" وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ، ولي عهد أبوظبي ، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة - أن الإمارات وفي ظل حضور العالم في إكسبو 2020 دبي أصبحت دولة المواطنة الشاملة ، دولة التسامح والأخوة الإنسانية ، دولة تتبنى السلام وسيلة وغاية تتخذ من التسامح والتعاون والوفاق منهجاً وطريقة وتحرص كل الحرص على التعاون والتنسيق مع كافة الأمم والشعوب وتعمل باستمرار على تمكين جميع الأفراد وجميع المجتمعات البشرية للإسهام الكامل في جهود التنمية المستدامة في العالم باعتبار أن ذلك كله هو جزء أساسي من الإرث الخالد الذي تركه فينا مؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" وهو الذي كان يؤكد لنا دائماً بالقول والعمل على أن الصفاء بين البشر والحوار والتواصل الإيجابي بينهم هو طريق أكيد لتحقيق الخير والرخاء ، في المجتمع والعالم .

وقال معاليه إن اجتماعنا اليوم لمناقشة موضوع المواطنة الشاملة إنما هو تعبير مهم عن الثقة والأمل في مستقبل البشرية وعن اهتمامكم الكبير بتعزيز قيم التعارف والحوار والتفاهم والهدف المشترك بالإضافة إلى دعم قنوات التعاون والتعايش بين الجميع وهو تأكيد على دوركم المهم بل وعلى دورنا جميعاً في توعية الإنسان والارتقاء بمعارفه ومداركه ، وقدراته وسلوكه بل وكذلك في تمكينه من أداء دوره الأساسي في تشكيل الحاضر وبناء المستقبل.

وأضاف معاليه أن اجتماعنا اليوم هو تعبير عن حرصكم على تعريف البشر في كل مكان بما يقدمه الإسلام من نموذج متكامل، للحياة السعيدة والمنتجة وللعلاقات المثمرة بين الجميع حيث إننا في ذلك كله إنما نقوم جميعا بواجباتنا في نشر مبادئ التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية نقوم بواجباتنا في تنمية قدرات الجميع ، على نبذ التطرف والتشدد وتعملون مع الجميع : الشباب و الأسر والمدارس والجامعات ومؤسسات الحكومة والمجتمع المدني كي يقوم الجميع بأدوارهم المرتقبة في تحقيق المواطنة الشاملة لجميع السكان دونما تفرقة أو تمييز.

وأعرب معاليه عن تقديره الكبير لما يحرص عليه المشاركون في الملتقى من الاحتفاء بوثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية تلك التي صدرت أثناء الزيارة التاريخية التي قام بها إلى أبوظبي في مطلع عام 2019 قداسة البابا فرانسيس وفضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب والتي جاءت بمبادرة ودعمٍ قوي من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حيث إنني أقدر كثيراً ما تؤكدونه في مناقشاتكم على ما وَرَدَ في هذه الوثيقة من أننا جميعاً أعضاء في مجتمع إنساني واحد ، يعمل فيه الجميع ، من أجل تحقيق الخير للجميع ، بل وما تتضمنه كذلك ، من دعوة كريمة إلى جميع سكان الأرض ، كي يعيشوا معاً ، في سلامٍ ووفاق ، بقلبٍ مخلص ، وروحٍ صافية ، ووجدان صادق ، وكي يعملوا معاً ، من أجل تحقيق العدل والمساواة ، للإنسان ، والخير والتقدم ، للمجتمع والعالم .

وقال معاليه إنني أحيي ما تسعون إليه في هذا الملتقى من إطلاق ما يترتب على التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية ، من قدرة على مواجهة القضايا ذات الأهمية في هذا العصر ، وإلى إيجاد حلول ناجحة لها ، سواء في ذلك، قضايا المواطنة والعولمة ، قضايا الاعتزاز بالهوية الوطنية ، والحرص على الثقافة والتراث ، قضايا التعليم والرعاية الصحية ، قضايا البيئة والغذاء ، قضايا التفرقة والتمييز ، بالإضافة إلى تعميق قدرة البشر ، على التخلص من النزاعات والصراعات ، ومكافحة التطرف والإرهاب ، ونشر السلام والعدل ، في كافة ربوع العالم .

وأضاف معاليه إنني أحيي كذلك ، ما يمثله هذا اللقاء ، من تأكيد قوي ، بأن التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية ، هي مجالات مهمة للتعاون الدولي المثمر ، وأن بناء الإنسان في كل مكان ، بل وبناء المجتمعات البشرية عموماً ، على نحوٍ يحقق لها السلام والنماء ، هي مسؤولية الجميع ، و أحيي حرصكم ، على التعرف عن قرب وبذكاء ، على التحديات المهمة ، التي تواجه المجتمعات المسلمة ، وعلى الأخذ بالوسائل والمبادرات ، التي تدعم قدرات هذه المجتمعات ، على مواجهة هذه التحديات ، نعتز في ذلك ، بديننا الحنيف ، ونعبر عن ثقتنا الكاملة ، في قدراتنا الفائقة ، على الإسهام الفاعل ، في مسيرة البشرية .

وأضاف معاليه : علينا أن ندرك بوضوح ، أن العالم اليوم ، يشهد تطورات مستمرة ومتلاحقة حيث هناك الآن ، نمو ملحوظ لدور الأديان والقيم الروحية في حياة البشر وهناك اهتمام متزايد للناس بثقافاتهم ، واعتزاز متنامٍ بهوياتهم إضافة إلى أن هناك إدراك واضح بأن ترشيد مسيرة المجتمع وحمايته من المخاطر ، هي مسؤولية جميع السكان ، وأن على الجميع العمل معاً ، من أجل تحقيق المصالح المشتركة و هناك دور متعاظم ، لوسائل الإعلام والاتصال والتواصل كما أن هناك تزايد في استخدام الآلات الذكية ، وتقنيات الذكاء الاصطناعي ،وهناك تحديات جائحة كورونا ، وأية أوبئة أخرى قد تنشأ في المستقبل ،كما أن هناك في بعض الأحيان ، دعوات عنصرية وطائفية ، ونزعات نحو الانغلاق على الذات ، وسعي كل دولة لتحقيق مصالحها الخاصة ،هناك كذلك ، آمال وطموحات متزايدة ، لتحقيق التقدم والرخاء ، في جميع دول العالم .

وقال معاليه إن هذا الواقع ، المتغير باستمرار ، إنما يؤكد بدون شك ، على أن القيم ، والخصائص ، والصفات ، والأفكار ، وقواعد السلوك ، لدى الإنسان ، في هذا العصر ، بل وقدراته على التعامل مع الآخرين ، وأساليب انخراطه في مسيرة المجتمع والعالم ، هي أساس النماء والتقدم ، للفرد والجماعة ، على حدٍ سواء .

وأشار معاليه إلى إنه من المهم للغاية ، أن يكون لدى الإنسان في هذا العصر ، رؤية واضحة ، لحياته ، وحياة مجتمعه ، وحياة عالمه ، وأن يكون لديه ، قدرة على مشاركة الآخرين في المجتمع ، في الأهداف والطموحات - من المهم للغاية في هذا العصر ، أن يكون الإنسان ، حريصاً على التواصل مع الآخرين ، يناقش الأفكار والآراء بوضوح وشفافية ، يرتبط بمسيرة مجتمعه ، ولديه من الشجاعة ما يجعله يفيد من التجربة والخطأ ، وأن يكون لديه ، اهتمام بشؤون العالم من حوله ، وفهم واحترام للثقافات والحضارات المختلفة ، وقدرة على العمل بروح الفريق ، وإقامة علاقات طيبة مع الجميع ، في عالم متشابك ، وبالغ التعقيد .

وأضاف معاليه أن كل هذه العناصر سالفة الذكر مهمة في المواطنة الشاملة ، يتضح معها أهمية قيم التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية – هذه القيم ، التي تمثل طاقة روحية كبرى ، تدفع الإنسان إلى أن يكون مواطناً صالحاً ، يتزود بقيم الرحمة ، والتعايش ، والتكافل ، والمحبة ، والسلام ، بل وتدفعه كذلك ، إلى الإدراك الكامل ، بأننا جميعاً ، أبناء آدم ، نشترك في الاحتفاء والالتزام ، بدور هذه القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة ، في إحداث التطورات الإيجابية في العالم – التسامح والتعايش والأخوة الإنسانية ، تدفع المجتمعات البشرية إلى تأكيد دور الشباب ، ودور المرأة ، في حياة المجتمع ، وإلى تحسين نوعية الحياة للجميع – التسامح والأخوة الإنسانية ، لهما دور مهم ، في بلورة مسؤولياتنا الفردية والجماعية، كمواطنين صالحين ، من أجل العمل على نشر المحبة والسلام ، والحفاظ على كرامة الإنسان، وجعله مواطناً قادراً على الإسهام الفعال ، في الحياة ، وكذلك من أجل تحقيق التقدم والنماء ، للمجتمع والعالم .

ودعا معاليه في ختام كلمته المشاركون في الملتقى إلى التأكيد على أن المواطنة الشاملة، إنما تقوم على المعارف والصفات والخصائص ، التي يتمتع بها الإنسان ، وأن هذه المواطنة الشاملة ، هي الطريق الأكيد ، إلى بث روح الكفاءة والفاعلية ، في كافة جوانب الحياة في المجتمع ، بحيث يعمل الجميع مع الجميع ، في تعاون خلاق ، وتشارك وجداني وفي إطار من الالتزام بالمسؤولية المجتمعية ، والحرص على تحقيق التضامن والتكامل في عمل الجميع – إذا ما تحقق ذلك أيها الإخوة الأخوات ، سوف تستطيع مجتمعاتنا بعون الله ، أن تواجه كافة ما يحدث في الحاضر ، أو ما يسفر عنه المستقبل ، من تطور أو مفاجآت ، وبنجاحٍ كبير .

- الكلمة التأطيرية..

ومن جهته قال معالي الشيخ عبدالله بن بيه خلال كلمته إنه يطيب لي أن أرحب بجميع الحضور في دولة الإنسانية وفضاء التسامح في الإمارات العربية المتحدة منطلق دروب السلام وملتقى محبي الخير والوئام.

وأضاف : يسعدني أن نفتتح مؤتمرنا هذا العام في دبي وفي رحاب معرض إكسبو 2020 دبي وبهذه المناسبة أشيد بالطموح الكبير والتطلع الدائم للأفضل الذي يطبع عمل دولتنا ورؤية قيادتنا والذي نجني من ثماره تنظيم هذا المعرض الدولي العظيم بمشاركة أكثر من 190 دولة من أرجاء العالم ليكون بذلك أكبر أحداث هذا العام وأكثرها قدرة على مد الجسور بين البشر وحشد الطاقات لكل ما ينفع الناس ويؤلف بين مختلف الأجناس. إن هذا برهان على التسامح وعنوان للتعايش بين الجميع.

وقال معاليه إن ملتقانا الثامن يعقد هذه السنة والبشرية ترقب بأمل نهاية هذه الجائحة، تستبشر بما من الله به من تباشير العافية، وتتوجس خيفة من أن تكر مرة أخرى، لما ظهر من بوادر ذلك في بعض مناطق العالم.

ونحن نجدد الرجاء ونرتد الدعوة والدعاء أن تكون هذه الأزمة مناسبة لانطلاقة جديدة، وفرصة لميلاد إنسان جديد، برؤية جديدة للعالم، على أساس قيم الفضيلة، يعيد بناء ذاته وعلاقاته بجنسه وبالأمم الأخرى من المخلوقات بجنبه. نجتمع هذه المرة لنستثير الفكر معا ونمعن النظر سويا في مفهوم أساسي من مفاهيم السلم، مفهوم له أغواره الفلسفية العميقة وأفاقه الواقعية الراهنة، مفهوم المواطنة الشاملة.

وأضاف معاليه ان ملتقانا هذه السنة يستهدف إصدار "إعلان أبو ظبي للمواطنة الشاملة" إعلانا مستمدا من النصوص الدينية ومراعيا للسياق الحضاري المعاصر المتمثل في الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية، ومؤسسا على وثائق التسامح الكبرى.

وأشار معاليه إلى أن المواطنة في المفهوم التاريخي، كانت مفهوما تمييزيا يفرق بين الناس، بحسب العرق أو الدين أو الذاكرة المشتركة أو على عنصر نقاء النسب. وقد فشا في العصور الحديثة تصور جديد للمواطنة، تصور دستوري تعاقدي رشحه ما شهدته البشرية من التمازج والتواصل وغلبة سمة التنوع في كل أقطار المعمورة؛ فصارت المواطنة رابطة اختيارية معقودة في أفق وطني يحكمه الدستور، فالذي ينضم اليوم إليها له نفس الحقوق التي كانت لأقدم عضو، فلا فرق بين الأول والأخير والأصيل والدخيل.

وأوضح معاليه أن درجة التشابك بين مصائر الشعوب وأوضاعها في سياق العولمة المعاصرة فرضت الشعور الواعي بحقيقة الانتماء للبشرية كعائلة كبرى وللأرض كوطن أشمل، وهو ما يسميه البعض مواطنة كونية، المطلوب التحقق بها من خلال تجسيد روح ركاب السفينة الذين يؤمنون بالمسؤولية المشتركة وبالحرية المسؤولة المرشدة وبواجب التضامن والتعاون. بروح ركاب السفينة ننشد. عالما تكون فيه ثمرات العقول مبذولة، لفائدة الجميع فلا يستأثر بها القوي أو يحتكرها الغني، عالما تتنافس فيه الأمم في الخير، وتستبق فيه الدول في تقديم الضيافة الإبراهيمية، ضيافة تستند إلى الكرامة الإنسانية، التي تجعلك ترى الغريب قريبا، تراه أخـا وصديقا، تقابله بحسن الظن، تؤويه إلى بيتك وتبذل له البر والإحسان، من غير سابق معرفة بينكما.

وقال معاليه إن أهم مقوم من مقومات المواطنة مبدأ الواجبات المتبادلة والحقوق المتساوية، مما يقتضي الإيجابية في العلاقة، والبعد عن الاختلاف، والشعور بالشراكة في المصالح. فدولة المواطنة هي الحامية للكليات الخمس، كلي الدين، وكلي الحياة، وكلي الملكية وكلي العائلة وكلي الكرامة، من جهتي الوجود والعدم، والضامنة لها لجميع المواطنين، لا ميز بينهم بالطبقة أو العرق أو الدين. في مقابل الحقوق التي تمنحها دولة المواطنة لمواطنيها، توجد واجبات، بها تنال تلك الحقوق إلزامها، فلا وجود لحقوق بلا واجبات ولا لواجبات غير معينة الجهة، إذ كل حق هو واجب على آخر، وكل واجب هو حق لآخر.

وأضاف معاليه أن حق الوطن على أبنائه أن يدافعوا عنه ضد كل معتد ويحافظوا على أمنه واستقراره، وحقه عليهم أن يحترموا قوانينه ودستوره الذي به قوام نظامه الاجتماعي ووجوده الجماعي، وحقه عليهم توقير حكامه، والخضوع للسيادة التي تمثلها الجهات العليا للدولة. في دولة المواطنة، حيث يصير الاختلاف ائتلافا والتنوع تعاونا وتشكل العلاقة مع الآخر فرصة لاستكشاف فضاءات الالتقاء وتوسيع قنوات التواصل، لا مجال لأي تشغيب على الآخرين بلمس رموزهم والتنقيص من معتقداتهم، يمارس الجميع شعائرهم، في جو من الحرية المهذبة، التي بها يقع الانسجام ويتحقق الوئام الذي يقتضيه العيش المشترك وبها تكتمل كرامة الإنسان.

وأكد معاليه أن الملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم ينطلق من مبدأ تجاوز النظرة الإقصائية للإسهام الديني في بناء نموذج إبداعي للمواطنة، فإن الإسلام كسائر الديانات التوحيدية، لا ينافي ما وصلت إليه التجربة الإنسانية في مفهومها الحديث للمواطنة. ذلك هو المبدأ الذي وجهنا في الإعلان المعروض اليوم بين أيديكم، وفي سائر إعلانات أبو ظبي للسلم، وغيره من وثائق التسامح، حيث نترجم لغة الدين إلى لغة الفضاء العمومي، لغة الحياة المدنية والقانون، ونستعير من نصوص التاريخ لإنزالها على العصر الحاضر، مع الاحتفاظ لكل عصر بلغته وببيئته الزمانية والمكانية، نستنطق النصوص ونجمع متفرقاتها ونغوص إلى الحكم والمقاصد ونأول طبقا لضوابط الاستنباط ومسالك التأويل، ونقارن بينها وبين ما وصلت إليه البشرية من آراء ومبادئ تخدم المصالح الإنسانية وتؤمن الكليات الخمس، ذلك هو منهجنا في البحث.

وأضاف معاليه أنه بهذا المنهج التأويلي تمكنا من تحقيق المصالحة الضرورية بين الهوية الدينية والهوية الوطنية، ورفع التعارض بينهما، وقد توسلنا لذلك باستثمار صحيفة المدينة المنورة، إذ تقدم أساسا متينا للمواطنة التعاقدية في المجتمعات المتنوعة، وباعتبارها خيارا يرشحه الزمن والقيم للتعامل مع كلي العصر لتفعيل المشترك الإنساني وتحييد عناصر الإقصاء والطرد.

وقال معاليه إن المواطنة لا تنبني على مجرد المساواة في الحقوق والواجبات، ولا من خلال مفهومها القانوني البحت بل لا قرار لها ولا استقرار إلا بتأسيسها على أساس متين من القيم. فبهذه القيم التي ترسيها التربية في النفوس، ترتقي المواطنة إلى المؤاخاة، وتنتقل من الوجود المشترك إلى الوجدان المتشارك، لتكون المواطنة بذلك بوتقة تنصهر فيها كل الانتماءات، وبقدر الانسجام والانتظام بين هذه العناصر في الجماعة يجد المواطن مكانة والجماعة مكانتها. كيف السبيل إلى تحقيق المواطنة الحاضنة للتنوع؟.

وأشار إلى أن المقاربة التي نرى نجاعتها ونروم تجسيدها في الإعلان المعروض بين أيديكم، مقاربة دقيقة تقوم على البحث عن الملائمة والموائمة بين مقتضيات الواقع الجديد، واقع قيم العولمة وعولمة القيم، واقع التمازج الحضاري والعيش المتصل، الخصوصية ومتطلبات المحلية.

وأضاف معاليه أن الاعتراف بأثر، كلي الزمان الجديد، في مفهوم المواطنة أمر. حتمي والتنكر له يؤدي لا محالة إلى الفشل ولربما إلى الفتن، فتحقيق المواطنة المعاصرة يفترض القدرة على التواصل مع العصر إذ يقدم جملة من المفاهيم والقيم بعناوين تتمثل في الحريات وحقوق الانسان والمرأة والطفل ويتميز بالتمازج بين الحضارات والتزاوج بين الثقافات في حركة دؤوبة وتطورات مذهلة من الذرة الى المجرة.

وتسائل معاليه خلال كلمته حول ما هو المعيار الأمثل لقياس جودة المواطنة؟ كيف يتنزل هذا المعيار في كل بيئة بينة، مراعيا ظروفها وتوفر شروطها التنموية والاجتماعية؟ ما هي مؤشرات هذه الجودة؟ وما هي التدابير الحكيمة للارتقاء بها؟ كيف نحسن ظروف المواطنة ونرفع من مؤشراتها بتحقيق مكملاتها ضمن إطار يحافظ على السلم الأهلية والنظام العام؟.

وقال إن المبادئ الموجهة لرؤية قيادتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، هي رؤية قائمة على قيم الابتكار والجودة والتميز، حيث يتعزز كـل يـوم واقع المواطنة الإيجابية من خلال مبادرات إبداعية تدعم مؤشرات الجودة في المواطنة، وتسهم في الارتقاء بميثاق المواطنة وتعزيز الولاء والانتماء للوطن، بل تحسن كذلك جودة المواطنة العالمية من خلال حسن الرعاية وكريم العناية التي توليها الدولة لكل المقيمين فيها على اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم.

- المواطنة والدولة..

ومن جانبه قال معالي محمد عبد الكريم العيسى خلال كلمته إن موضوع المواطنة محمولا على القيم الدينية المشترك والقيم القانونية الحقوقية والمواثيق والإعلانات العالمية، كما تعني في اطارها العالمي الشراكة الإنسانية في استثمار الخير على كوكب الأرض في مصلحة الإنسان.

وأضاف أن المواطنة لها معان وتفسيرات عدة، ولكن تواضع الناس على مناقشتها بمعنيين رئيسين: الأول تقوم بتدبيره الدولة الوطنية وعلى قدر كفاءتها يكون عطاءها. أما الثاني فتقوم به العقول الخيرة في إطار المجتمع المدني أو إطار المنظمات الدولية كافة. وهو ما يؤكد حاجتنا إلى إرادة صادقة، حازمة في العمل والتعاون مع بعضنا البعض؛ لأن المواطنة الشاملة لا قيمة إذا لم تكن مستجيبة لحاجات الناس على اختلاف مللهم ونحلهم أو ثقافاتهم.

وركز العيسى على إبراز الخصوصيات الدينية والثقافية والدستورية لكل بلد من بلدان العالم، التي تشكل هويتها في الإطار النظري للمواطنة؛ لما تمثله من غنى ثقافي للجماعة الإنسانية مجتمعة، ومن توازن روحي وراحة نفسية للجماعة الوطنية. إن المواطنة الشامة هدف وطني وهدف عالمي يستدعي استيعاب دروسها كافة.

وأشار العيسى إلى ما سماه بعض الثغرات في بناء المواطنة، ليس في البلدان المتخلفة فحسب وإنما أيضاً في البلدان المصنفة من العالم الأول.

والسبب في ذلك تركيز التعليم على العلوم وتجاهل القيم الدينية والأخلاقية وكل ما يعزز إنسانية الإنسان بالمعنى التواصلي الخلاق.

ومن جهته توجه معالي نور الحق قادري بالتهنئة إلى الإمارات قيادة وشعبا بمناسبة عيد الاتحاد الخمسين مؤكدا أن موضوع الملتقى الثامن لمنتدى تعزيز السلم، مهما لأن المواطنة ربما هي أهم لبنة على طرق الاستقرار والأمن والتنمية.

وأضاف قادري أن ما نراه من رعاية وكل ما نعمل عليه اليوم، هو نواة من ثمرات القائد العظيم مؤسس دولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" الذي كان الوالد لكل أبناء المنطقة؛ بل لكل أبناء الإنسانية؛ لأنه لم يقف متفرجاً أمام أي أزمة أو كارثة على مستوى العالم إلا ومد يد العون، ولم يشهد مظلوما أو محروما إلا وأغاثه، رحمه الله.

وأشار قادري إلى أن أول محاولة تشريعية قانونية واجتماعية هي وثيقة المدينة، التي قدمت نموذجاً للمواطنة الإنسانية، لأنها لم تتوقف على القبيلة أو الدين وإنما كل فئة من المتعاقدين هي أمة لها ما للجميع وعليها ما على الجميع. وخلص إلى أن جميع الأديان تدعو إلى التراحم والتعاون والسلام. وهذا ما يقتضيه الحال في الواقع الراهن. وختم بتوجيه الشكر مجدداً إلى دول الإمارات في مختلف مجالات التسامح والسلام وتحدث سام براونباك سفير الحريات الدينية في وزارة الخارجية الأميركية، برسالة صوتية مسجلة، فتوجه بالتهنئة إلى قيادة وشعب دولة الإمارات بمناسبة عيد الاتحاد الخمسين.. وقال أتوجه بالتحية والتقدير إلى جميع الحضور على الجهد الذي "تقومون به في منتدى تعزيز السلم، مع شركاءكم من العقلاء والحكماء في الأديان الأخرى". وأكد ان المواطنة الشاملة ربما هي من أهم القيم الإنسانية؛ لأنها اساس الاستقرار والتنمية والازدهار.

وأعرب عن أمله أن يخلص الملتقى الثامن لمنتدى تعزي من تحقيق الإضافات المنشود على قيم المواطنة؛ كما عودنا على ذلك الصديق العلامة ابن بيه منذ تأسيس منتدى تعزيز السلم.

ومن جانبه أشاد معالي ابراهيم الشائبي وزير الشؤزن الدينية في تونس، بدور دولة الإمارات في إشاعة ثقافة السلم والسلام، من خلال احتضانها منتدى تعزيز السلم برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه، الذي عزز قيم السلم برؤى عملية ومعرفية خلاقة. مضيفا أن منتدى تعزيز السلم يتيح للمفكرين والباحثين في العلوم الدينية والإنسانية فرصة تداول الأفكار وتبادل الخبرات؛ لتقديم مقاربات علمية جادة بموضوع المواطنة. والمؤكد أن أعمال الملتقى الثامن للمنتدى ستخرج بخلاصات عظيمة تعزز وترسخ مفاهيم قيم المواطنة الشاملة، التي قد تغطي المجتمع الإنساني بأسس جديدة للتعايش السلمي. وقال عندما نصنع عقولا متسامحة قادرة على هندسة التراكم؛ حينها يمكننا صناعة عالم قانونه التعايش السعيد.

ومن جهته تقدم معالي ألداه ولد أعمر طالب، وزير الشؤون الإسلامية في موريتانيا، بالشكر وخالص الثناء إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي قامت على أفكار وتصورات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله" المؤسسة على قيم التسامح والسلام.

وقال معاليه إن منتدى تعزيز السلم في ملتقاه السنوي السلم يحتضن كوكبة من أهل العلم والفكر والخبرة. آملا أن يقدموا مخرجات للمواطنة الشاملة تليق بالإنسان المعاصر. وهي مسؤولية تتطلب السعي الدائم لترسيخ قيم السلم والعمران.

وبدوره قال راشد بن محمد بن فطيس الهاجري رئيس الأوقاف السنية في مملكة البحرين، إن كل جهد يصب في خدمة التسامح والسلم هو عمل جليل ينطلق من روح المقاصد الشرعية. وقال إن موضوع المواطنة الذي يبحثه المنتدى هو على قدر عال من الأهمية على مستويات عدة، سواء غرس قيم القبول والاعتراف والتسامح، وتعزيز السم المجتمعي والتنمية المستدامة والنهضة الحضارية للمجتمع.

- جلسات اليوم الأول..

و عقدت الجلسة الأولى برئاسة الدكتور سليمان الهتلان الرئيس التنفيذي لشركة "الهتلان ميديا"، وكان المحور الأول بعنوان: المواطنة الشاملة- التعريف والسياقات الراهنة. وبحثت موضوعي "المواطنة.. التعريف والتطور وسياق الحاضر" و"الدولة الوطنية ومقومات المواطنة". وتحدث في الموضوع الأول كل من الدكتور عبد الإله بلقزيز- أمين عام المنتدى المغربي العربي - المغرب، والدكتور سلطان النعيمي- المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية- الإمارات، والدكتور عبدالله السيد ولد أباه- عضو مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم، أستاذ الفلسفة والدراسات في جامعة نواكشوط. والدكتور علي أومليل مفكر ودبلوماسي مغربي. والدكتور علي راشد النعيمي- رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي- الإمارات. والدكتور جيمس والترز، مدير مركز الدين والمجتمع العالمي بكلية لندن للاقتصاد، المملكة المتحدة.

و تحدث الدكتور سلطان النعيمي فاستهل بحثه في التوضيح أنه لن يذهب الى لب الموضوع من مفهوم التنظير الفكري أو الفلسفي؛ بقدر ما يركز على الرؤية المنطقية والواقعية إلى المواطنة، أي إمكانية ممارستها اجتماعيأ.

ولاحظ أن المواطنة هي التفكر والتمعن والتبصر في قول رسول الله "ص": مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِ هَامن. معتبراً أن هذه الخلاصة هي جوهر المواطنة التي يفترض أن نسعى إليها؛ باعتبارها ممارسة اجتماعية؛ لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه؛ دون التقليل من أهمية قيم المواطنة كما هي معروفة في الوعي الحديث بطبيعة الحال.

وقال الدكتور سلطان النعيمي إن المواطنة هي الإيمان بأن الوطن يستوعب الجميع تحت مظلة العدالة والأمن والأمان والتعايش، فالسلطة أو الحكم الوطني هو القول الفصل في تدبير الاختلاف ورعاية القبول والتعدد؛ بما يخدم مصالح الإنسان وفي مقدمتها رفاهيته وسعادته. وهذا هو ما قامت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها على يد الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه". وهذا ما تمضي بهديه القيادة الرشيدة وفق السياقات والمفاهيم والتصورات العالمية الراهنة.

ومن جهته قال الدكتور علي أومليل إن الدولة قديمة في التاريخ، ولكنها بصيغة المؤسسات لم تظهر إلا في العصور الحديثة، ومنها ما تعايشنا معها في البلدان العربية، التي شهدت اصلاحات متواصلة؛ سواء في مرحلة الاستعمار أو ما بعدها. وهكذا خلصت التجارب العربية في الفكر الإصلاحي إلى الدعوة بضرورة الحكم الدستوري، ولكنها دائما كانت رؤية محكومة بثانئية التقدم والتأخر. ولم تتقدم الرؤى الإصلاحية إلى مستوى الأطروحات الديمقراطية، وبخاصة في المرحلة العثمانية، التي حالت دون قيام الشكل الدستوري للدولة. وهو ما سمح بقيام النزعات المذهبية والطائفية والعرقية أحياناً. الأمر الذي حال دون تطور الدولة المدنية، وهو رديف عدم تطور المواطنة.

وأشار الدكتور أومليل إلى أن المواطنة هي هوية جامعة لثقافة وقيم الكيان الوطني، وليست مجرد أشكال قانونية. وهو ما يحتم أن تلحظ تصورات المواطنة واقع الثقافة المحلية أو الوطنية. أما قيم المواطنة العلمانية فيمكن أن يجري البناء عليها. وخلص إلى أن من أهم العقبات التي اعترض طريق تحقيق المواطنة، هي حشر السياسة بالدين، ومعروف أن السياسة أفكار ومواقف متغيرة ومتبدلة، بينما الدين له ثوابت. وهكذا لم يتم التعامل مع فكرة المواطنة كما يجب. آملاً أن ينجز منتدى تعزيز السلم في ملتقاه الثامن، ما عجزت التشكلات السياسية الدينية في التجارب الماضية.

وقدم الدكتور عبد الله السيد ولد اباه ورقة بعنوان "مفهوم المواطنة الشاملة.. الخلفيات الفلسفية الحديثة"، ملاحظاً أن "حنة ارندت" لاحظت أن القانون الروماني القديم كان يعترف للمواطنة بحقوق محددة ومحمية في حين لم يكن للإنسان حقوقا تترتب على منزلته الوجودية نفسها. ومع بداية العصور الحديثة تغيرت هذه المعادلة من خلال الاعتراف بمحورية الذات الإنسانية في مسارات البناء السياسي والمجتمعي؛ بما عكسته المقاربات الفلسفية التي أعادت بناء مفهوم الشرعية السياسية على أساس اختيارات الإرادة الفردية الحرة التي تنتقي منظومتها القانونية والمدنية.

وأضاف ولد أباه أن هذه المقاربات أفضت إلى بلورة سياق نظري ومعياري تحكمه ثلاث إشكالات كبرى : أولا - الذاتية الفردية الحرة في علاقتها بالدولة من حيث هي كيان جماعي مشترك، بما طرح إشكالية ازدواجية العلاقة بين الإنسان الفرد والمواطن المرتبط بوشائج الولاء للدولة. أما المدرسة الجمهورية فتجاوزت هذا التصور القانوني المحض للمواطنة، من منظور معايير المشاركة المدنية التي تؤسس لهوية جماعية قوية، تعبر عنها الدولة بصفتها تجسيدا للإرادة المشتركة "جان جاك روسو". إلا أن الإشكال الذي طرح على الفكر الجمهوري هو تفسير مقومات الإرادة المشتركة التي تظل مفهوما ملتبسا يصطدم بأولوية الارادة الفردية وعدم قابليتها للذوبان في هوية جماعية.

وأضاف" ان يورغن هابرماس أعاد معالجة هذه الإشكالية في كتاباته الأخيرة، محاولا التوفيق بين الكونية الأخلاقية والصورية لحقوق الإنسان، والمعايير الوضعية للقوانين المدنية للمجموعات السياسية. ولكن الحل الذي يقدمه هابرماس لا يلغي الإشكال من أساسه".

ثانيا - الإشكالات التي يطرحها التصادم بين الاعتقادات والتصورات والانتماءات المعيارية من جهة، والمقاربات الإجرائية للعدالة في صيغتها القانونية المشتركة من جهة أخرى. ويتوقف على هذه الإشكالات علاقة المواطنة والوعي الديني. لقد تأسست الحداثة السياسية على فكرة إقصاء المذاهب القيمية التعبيرية الشمولية من ديانات وفلسفات أخلاقية من المجال العمومي، احتراما لمبدأ التعددية الدينية والفكرية، واستبدالها بنظرية دنيا للعدالة التوزيعية تحل مشكلة "الإلزامية السياسية" .

وقال ولد أباه إن الفصل التعسفي بين الوعي الفردي الحر، الذي هو مدار التقويمات الجوهرية الكبرى؛ كالاعتقادات الدينية والمجال العمومي المشترك، لا يمكن الدفاع عنه فلسفيا؛ مع الإقرار بمبدأ التعددية وما يستلزمه من سياسات عمومية كافلة، لحرية الوعي والإرادة. ومن هنا يأتي الإقرار بحق المذاهب الدينية في ولوج دائرة النقاش العمومي مع التزام قواعد ومعجم المشاركة البرهانية السائد.

ثالثا - الإشكالات التي تطرحها التصورات الإنسانية الكونية للحداثة والمقاربات السيادية القومية للحقل السياسي، وما ينجر عنها من تباين بين مفهوم حقوقي وقيمي للمواطنة الشاملة، وتصور سياسي قانوني للمواطنة في حدود الهويات القومية والوطنية الضيقة.

وخلص ولد أباه إلى أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الفكر القانوني والسياسي، لا يزال مقصرا وعاجزا عن بلورة الآليات القانونية المؤسسية؛ لفكرة المواطنة الكونية، وما نلمسه اليوم من طغيان وصعود النزعات الشعبوية الجديدة هو الدليل الساطع على هذه الظاهرة.

ومن جهته توجه الدكتور علي راشد النعيمي، بالشكر والتقدير إلى الإمام المجدد الشيخ عبدالله بن بيه، الذي ما فتئ يشع على الإنسانية بأفكار وتصورات تصوب وترشد المجتمعات البشرية، وبخاصة على مستوى تعزيز قيم السلم، ورفدها بما يتجاوز التصورات التقليدية؛ لأن غياب السلم يحول دون وجود أي معنى للمواطنة.

وقال النعيمي إننا نتحدث عن المواطنة من منطلق التجربة العملية الممكنة في واقع المنطقة، التي غاب عنها الحاضن أو الضامن للشباب، فاندفعوا إلى العنف والإرهاب بعد أن استولى على أفكارهم الفكر الأسود والأوهام الامبراطورية. وكانت النتيجة ما نشاهده من خراب وفساد. لذلك تجب الإشارة إلى تجربة دولة الإمارات العربية التي قامت في الأساس على تمكين الشباب.

وأشار النعيمي إلى أنه من مسؤولية علماء الأمة أن يتصدوا للتطرف والعنف، وتوضيح موقف الشرع من الدولة الوطنية.. نحن بحاجة إى خطاب يقنع شبابنا، خطاب ينور ويقرب ويسامح ويتعاون لا خطاب يفرق الناس؛ لأن منطقتنا كانت ومازالت منذ ملتقى الأديان المسيحية واليهودية، ويجب أن تبقى كذلك.

وبدوره قال الدكتور جيمس والترز :"نحن في أي مجتمع من المجتمعات ننتمي إلى الأسرة الكونية، ولذلك يتعين علينا أن نمد الجسور ونقرب المسافات فيما بيننا؛ حتى نستطيع ان نصل إلى المواطنة الكونية المأمولة". وأكد أن المواطنة هي قيم التعاون والتآزر في إطار قانوني يكفل الحماية والاحترام والقبول للجميع. ولا يتعين علينا أن نميز بين مدينة الله أو ما تدعو إليه الأديان وبين المدينة المدنية المعاصرة، فالمدينتين يمكن أن تتكاملا من خلال الجمع بين القيم في مختلف الأديان لأنها في الجوهر تتلاقى وتشترك في رعاية وحماية الإنسان.

وقال والترز: علينا أن نحتضن التعددية الدينية على كل المستويات في كل العالم، وأنه بعد اليوم لم يعد مقبولا أن تهيمن العلمانية على كل ما يخص الممارسات المجتمعية مثل موضوع المواطنة. مؤكداً أن الأديان تثري حياة الإنسان روحياً.

- الجلسة الثانية..

عقدت الجلسة الثانية برئاسة فضيلة الشيخ الحبيب علي الجفري- رئيس مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات، وتناولت المحور الثاني بعنوان، "نحو صياغة مفهوم جديد للمواطنة الشاملة"، وبحث موضوعي "من المواطنة إلى المؤاخاة: قيم التضامن والتعاون بين أبناء الوطن"، و "الهوية الدينية والهوية الوطنية - تلاؤم لا تصادم". وتحدث في الموضوع كل من الدكتور إريك جوفروا- رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة ستراسبورغ- فرنسا، والدكتور وليام فندلي، الأمين العام السابق لمنظمة أديان من أجل السلام، والدكتور عليون باه، عضو هيئة التدريس بجامعة ستراسبورغ- فرنسا، والأب الدكتور ريتشارد سوسدوورث، مستشار الشؤون الدينية القومية لكنيسة إنجلترا، المملكة المتحدة، و فضيلة الدكتور أحمد السنوني- عضو مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم، المغرب، والأب الدكتور فادي ضو- الشريك المؤسس لمؤسسة أديان، وباحث في جامعة جنيف، لبنان، وفضيلة السيد جواد الخوئي، الأمين العام لمعهد الخوئي، العراق.

وأكد الدكتور جوفروا على ضرورة تغيير تسلسل القوة الهرمي القائم على المستوى الإنساني؛ لجهة أن يسحق الأقوى أو الأعلى ما دونه. ما يحتم علينا أن نعيد التأكيد على موضوع التوحيد في تصوراتنا التي يقول به الإسلام؛ وشأنه بذلك شأن الأديان الأخرى. بمعنى أن التسلسل الهرمي لا يصح أن يكون سائدا إلا في حدود علاقة الإنسان بخالقه. أما بين الناس فيجب أن يكون هناك قدر من التوازن؛ وإن تفاوت الناس بالقدرات أو الإمكانيات سواء على مستوى درجات الوعي أو على مستوى المكانة أو الملكية والسلطة.

وقال جوفروا أن الهرمية التسلطية قائمة في الوعي البشري اقله منذ الثورة الفرنسية، حيث بدأ التركيز على هذه الهرمية في الإنتاج الصناعي والتكنولوجي من أجل السيطرة على العالم.

وقال أسعدني بقدر ما فاجأني قرار دولة الإمارات بتشكيل وزارة للسعادة، فهذا القرار هو من صميم الأنسنة بكل قيمها الأخلاقية والدينية؛ لأن تحقيق السعادة، يعني على أقل تقدير نفي الظلم والحؤول دون الشقاء. ويؤسس لتنمية مجتمعية متوازنة.

أما وليم فندلي فتحدث من خلال الفيديو ملاحظاً أنه سينطلق فب مداخلته من ثلاث كلمات مفتاحية، هي: المواطنة، والتعاون، والإشراف، الحقيقة تعتمد على هذه المصطلح، وهي تترابط عضوياً؛ لأنها تؤسس للأخوة الإنسانية في المستقبل. فمثلا أن مفهوم المواطنة في بعض الدول ليس متماشياً مع قيمة الأخوة، وربما نستطيع تحقيق بعض المكاسب الحقوقية في مثل هذه الدول. ولكن هذا ليس كافياً، لتحقيق التضامن الاجتماعي. ما يستدعي التعافي والإصلاح وخاصة على مستوى الفضائل والأخوة من منطلق التعاون والسلام. فالأخوة الممارسة بصدق هي التي تدعم حقوق المواطنة بشكل فاعل؛ إذا أردنا تحقيق علاقات صحية ومستدامة.

وتحدث عن دور القادة الدينيين، فشدد على ثابتين، الأول هو التعاون في التوصل لرؤية متكاملة للمواطنة، تستطيع تحشيد جهود المفكرين والعلماء في إنتاج صيغة مواطنية شاملة وكونية. مؤكداً أن منتدى تعزيز السلم برئاسة معالي الشيخ الجليل عبدالله بن بيه يقوم بذلك على أكمل وجه.

وقال إن الأخوة الإنسانية كما نطمح إليها هي الضامنة الوحيدة للأفراد والمجتمعات في مستقبل زاهر. وهذا ما تضمنه ميثاق حلف الفضول العالمي الجديد.

أما الدكتور عليون باه فقال أنه لن يتحدث عن المواطنة من منطلق النظريات الفلسفية، وإنما من خلال مقاربة، نتشارك فيها جميعا، فمثلاً لدينا سبعة أشخاص مسلمين ومثلثهم من اليهود ومن البرونتستانت ومن الكاثولي، وقسمناهم إلى فريقين ، وشكلنا من كل فرقة فريق كرة قدم فنزل من كل فريف 11 لاعباً إلى الملعب، وثلاثة في الاحتياط وبدأت المبارة، فكانت الطابة مع الحاخام فأعطاها للإمام الذي سجل هدفاً. وهكذا فاز الفريق كله بالنصر. والمواطنة هذا شأنها بالتعاون يمكن تسجيل الأهداف للفوز جميعاً وتحقيق ما نصبو إليه.

وتحدث الدكتور عليون باه عن بعض المفاهيم التي يعتبرها مركزية في ترسيخ المواطنة، مثل الاحترام والطيف والسلطة، فالاحترام يجعل للجميع مكاناً في إدارة المجتمع على أساس الحقوق المتكافئة، والطيف المتعدد الألوان هو الذي يجعل الصورة أجمل. أما السلطة فهي التي ستكون مراقبة وضامنة، على أساس الحرية والتشريع القانوني.

تلاؤم لا تصادم أما في موضوع "الهوية الدينية والوطنية تلاؤم لا تصادم" فتحدث الدكتور ريتشارد سوسدوورث من خلال الفيديو، مستهلا موضوعه بقصة تجمع رجل دين ورجل سياسة، فسأل الثاني: متى تتعطل الدولة والمجتمع؟ فقال له الأول عندما تتقدم السياسة على الدين، ورد الآخر أن العكس هو الصحيح. وهكذا تواصل الانفصام في روح المجتمعات الحديثة. ولن نتجاوز هذه المعضلة إلا بالتناغم والانسجام من أجل تنظيم حياتنا.

وقال سوسدوورث إن فكرة المسيحية ساعدت على تقديم عوامل من الحرية نستمتع بها، وهو ما يسميه البعض خيرات الليبرالية. ولكن في الواقع جرى استبعاد وتهميش المؤمنين بشكل عام، وهذا جزء غير مزهر من حديقتنا الخلفية، فكيف لا يكون التهميش واقعا على المسلمين أو اليهود أو سواهم من الأقليات؟ علينا الاعتراف أن المجتمعات الأوروبية لا تزال تعاني من نزعة العداء ضد السامية، ولايزال هناك اضطهاد للأقليات وبخاصة في الفترة الأخيرة، حيث تركزت الكراهية على المسلمين. مؤكداً أنه لا خيار أمامنا لتجاوز هذه الفجوات إلا العمل معاً سوياً.. قد نواجه مجتمعين المشاكل، ولكنها ستكون أكبر لو واجهناها منفردين.

أما الدكتور أحمد السنوني فاستهل ورقته بالتأكيد على أن مشروع الشيخ عبدال بن بيه التجديدي يؤسس لتغيير "البراديغم"، أو المنهجيات في التأصيل والتأويل والتعليل. وأن ما يسعى معاليه إلى تقديمه فيما يتعلق بالمواطنة، هو إضافة وازنة بكل المعاني المعرفية والشرعية.

وأضاف السنوني أن الجميع يتفقون على أن المواطنة لعبت دورا كبيرا في تشكيل المجتمعات، وبخاصة على مستوى ترسيم الهوية. ملاحظاً أن المفهوم تطور على المستوى القانوني الحقوقي، ولكنه ليس كذل على المستوى الإنساني أو الاجتماعي، فمازالت هناك ثغرات؛ منطلقاً أن المواطنة في الساس تنطوي على إشكاليات ثقافي دينية وسياسية وفكرية.

أما الدكتور فادي ضو فتوجه بالتهنئة لقيادة دولة الإمارات بمناسبة عيد الاتحاد الخمسين كما توجه بالتحية إلى معالي الشيخ عبدالله بن بيه على مشروعه التنويري التجديدي على كل المستويات الدينية والفكرية والإنسانية عموماً. ملاحظاً أن مساعي الشيخ المجدد في المواطنة تنطلق من قاعدة أن السلم والمواطنة توأما لا ينفصلان، وهذا الفهم شكل العمود الفقري لوثائق منتدى تعزيز السم منذ انطلاقته، وبخاصة عقب اطلاق إطلاق إعلان مراكش لحقوق الأقليات.

وأضاف ضو أن المنتدى اضطلع بدور ريادي في الحوارات العالمية للمواطنة وخاصة مع ويلتون باك وكنائس الشرقالتي انطلقت قبل نحو ثلاثة أعوام.

وتزامن ذلك مع توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية التي أكدت على أن مفهوم المواطنة يقوم على ترسيخ الحقوق والواجب بالتساوي. والأمر عينه تجدد مع وثيقة مكة المكرمة، التي دعت إلى استثمار دولة المواطنة الشاملة القائمة على العدالة والتكافؤ أو التساوي بالحقوق والواجبات. ويقتضي الأمر في هذا السياق، توضيح العلاقة بين الهوية الدينية والهوية الوطنية. وهذا لا يمكن أن يكون كما يجب؛ من دون تعريف مفهوم الهوية، وبيان إشكالياتها.

يوجهك هذا الرابط إلى موقع خارجي قد يكون له سياسات مختلفة للمحتوى والخصوصية عن موقع وزارة الخارجية والتعاون الدولي لدولة الإمارات العربية المتحدة.